ابن قيم الجوزية

72

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

الحال لا يجد عناء الصبر ولا مرارته وتنقلب مشاق التكليف له نعيماً وقرة عين كما قال بع الزهاد : ( عالجت قيام الليل سنة وتنعمت به عشرين سنة ) ومن كانت قرة عينه في الصلاة لم يجد لها مشقة وكلفة . وأما قوله : ( والصبر في الله بلاء ) فالبلاء فوق العناء والصبر فيه فوق الصبر له وأخص منه كما تقدم فإن الصبر فيه بمنزلة الجهاد فيه وهو أشق من الجهاد له فكل مجاهد في الله وصابر في الله مجاهد له وصابر له من غير عكس فإن الرجل قد يجاهد ويصبر لله مرة فيقع عليه اسم من فعل ذلك في الله وإنما يقع على من انغمس في الجهاد والصبر ودخل الجنة . وأما قوله : ( والصبر مع الله وفاء ) فلان الصبر معه هو الثبات معه على أحكامه ولا يزيغ القلب عن الإنابة ولا الجوارح عن الطاعة فتعطى المعية حقها من التوفية كما قال الله تعالى : ( وإبراهيم الذي وفى ) ( النجم : 37 ) أي وفي ما أمر به بصبره مع الله على أوامره . وأما قوله : ( والصبر عن الله جفاء ) فلا جفاء أعظم ممن صبر عن معبوده وإلهه ومولاه الذي لا مولى سواه ولا حياة له ولا صلاح ولا نعيم إلا بمحبته والقرب منه وايثار مرضاته على كل شيء فأي جفاء أعظم من الصبر عنه وهذا معنى قول من قال : ( الصبر على ضربين : صبر العابدين وصبر المحبين فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظاً وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضاً كما قيل : يبين يوم البين أن اعتزامه على * الصبر من إحدى الظنون الكواذب وقال آخر : ولما دعوت الصبر بعدك والبكا * أجاب البكا طوعاً ولم يجب الصبر قالوا : ويدل عليه أن يعقوب صلوات الله وسلامه عليه قال : ( فصبر